وجلس المرشد المجاهد في مسجد"عبد الرحمن بن هرمز"بالإسكندرية يقرأ لنا الحديث المشهور"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها. وخالق الناس بخلق حسن"وكيف أن الجمل الثلاث التى تضمنها الحديث، توضح صلة الإنسان بربه، وصلته بنفسه، وصلته بالناس. وكانت المعانى التى ساقها وهو يشرح تجدد حياة سامعيه، وتهيئهم لمستقبل أزكى، كأنما كان يوقظهم وهو ينساب في عظته الرقيقة من سبات طويل. وتركنا المرشد السائح في الإسكندرية ليتحدث إلى غيرنا في بلد آخر. لقد جاب الآفاق وهو يذكر بالله ويعرف بدينه. وأحسبه قضى تسعة أعشار عمره مسافرا يضرب في مناكب الأرض لا يقصد من حله وترحاله إلا بعث أمة، وإحياء تاريخ، وأحسبه أولى الناس بقول الشاعر: يقولون لى: ما أنت في كل بلدة وما تبتغى؟ ما أبتغى جل أن يسمى إن التربية الإسلامية الصحيحة ضرورة لتكوين أجيال قوية أمينة. وإنه من الخير لمصر. بل للعالم أجمع أن تتاح للدعاة الراشدين فرص واسعة لتعهد الناشئة النابتة بما يجعلها تشب أنضر عودا، وأطيب ثمرا. إن الحياة بتدين مريض، كالحياة بلا دين، شر منكور محقور. ولا سبيل إلى إسعاد الأمم في معاشها ومعادها إلا بإيمان قوى، وخلق سليم، أى بالإسلام من منابعه المصفاه، وبرجاله الفاقهين. * * * .. 4 .. عندما مات"كليب"وكان رجلا مهيبا في قومه سيدا في قبيلته، جزع أخوه مهلهل على مصرعه، وألجأه الحزن إلى أن يجأر بالألم، وأن يبلل ثرى الصحراء بالقصائد الباكية المولولة. . وزاد في قلق الشاعر المفجوع، أن الدنيا تغيرت بعد"كليب"واضطربت أوضاعها، فقد تصدر الناس من ليس للسيادة أهلا، وأكثر اللغط من كان يحبس لسانه في فمه وجلا. . ص _218