فى حديث- لم يصح- نسب إلى رسول الله أنه قال: الحب أساسى، والشوق مركبى. ويظهر أن واضع الحديث أراد أن يصور بعض دعائم العظمة في نفوس الرجال الكبار، فأتى بهذين الانفعالين من اهتزازات القلوب ونسبها إلى رسول الله، فأصاب في الوصف وأخطأ في النسبة. نعم أصاب في الوصف، لأن قادة الأمم، وزعماء الجماعات- وأعنى من هؤلاء أصحاب الرسالات وحدهم- لابد أن تكون لديهم ثروات طائلة من المشاعر الجياشة، والعواطف الواسعة. إن الموظف الكبير- بما أوتى من سلطة- قد يستطيع الاستحواذ على ألوف الرجال، وقد يملك ألسنتهم وأبدانهم، وقلوبهم أحيانا .. لكنه عندما يفقد هذه السلطة ربما لا يجد عينا ترمقه باحترام، بله فؤاد يخفق له بود. أما قادة الأمم فلهم على الناس دالة صنعوها بمواهبهم، ومكانة استحقوها بفضائلهم، فإذا لقوا حفاوة فهى حفاوة الإجلال لا الرهبة، وإذا تطامنت لهم النفوس فعن إعزاز لا عن سطوة، كما قال الشاعر: كأنه وهو فرد من جلالته في عسكر حين تلقاه وفى حشم الحب لا الحقد، والشوق لا الوحشة، والعفو لا العقوبة، هى العناصر التى توجد مبعثرة لكثرتها في حياة كل رجل عظيم. وقد كان"حسن البنا"مثلا كريما لهذه العناصر الكريمة. عندما كنا نتعلم في مدرسة"حسن البنا"كانت هذه الخلال تتقد في نظراته وفى كلماته، فتدع طابعها يمزج العلم بالعطف، والتربية بالرغبة لا الكره. والفارق بين المعلم والمربى، كالفرق بين الشركات التى تحضر العقاقير الطبية وتغمر بها الأسواق لمن شاء تناولها، وبين الطبيب الذى يشرف على مريضه، ويتعرف ما عنده تعرف الخبير الماهر، ثم يسهر على معالجته حتى يبرأ، لا لأجر يرقبه، بل ابتغاء وجه الله. ومازلت أذكر أول درس سمعته من"حسن البنا". كان ذلك من عشرين سنة تقريبا. ص _217