إلى أيامنا الماضية، وارتسمت أمام عينى صورة الإمام الشهيد"حسن البنا"فقلت لنفسى: إن الذى علم هذا الشباب كيف يستشهد في سبيل الله هو"حسن البنا"، وقد سبقهم الرجل في سلوك الطريق التى رسمها فما كذبهم. . ولا كذبوه. وأعدت النظر إلى الشباب الناصع الجبين من حول الجنازة المتهادية إلى الجنة، ثم تلوت قول الله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) . * * * - 3 - العلم المسطور في الكتب كنوز مودعة في محالها ليس لها أكثر من قيمتها الذاتية، بل هى كنوز ميسورة المنال بخسة الثمن، يستطيع القارئ أن يقتنى منها ما يشاء ليطالعها متى أراد ثم يردها إلى خزانتها. . والعلم المبذول في الخطب معرفة سيالة، ينقلها الصوت الجهير إلى المسامع الواعية أو الغافلة فتستقر بها حينا، ثم يطويها النسيان أو الإهمال فتذهب كما يذهب الصدى. إن انتفاع الناس بالعلم- وخصوصا ما يتصل منه بالدين- لا تغنى فيه قراءة عجلة، ولا سماع عابر، لا الجماهير يزكيها هذا النوع. ولا العلماء أنفسهم يرتفعون بهذه الحصيلة المذخورة من الكتب والمحاضرات. لقد كان حسن البنا واحدا من علماء كثيرين ظهروا في العصر الأخير، علماء لهم فقه جيد في الإسلام ودروس رائعة. بيد أن"حسن البنا"يمتاز عن أولئك بخاصة أتيحت له وحده ولم يرزق غيره منها إلا القليل، خاصة تأليف الرجال، والاستيلاء على أفئدتهم، وغرس علمه في شغاف قلوبهم، وأخذهم بآداب الإسلام، في تلطف وإحسان ساحرين. ص _216