وقد حار أصدقاء حسن البنا وأعداؤه في فهم هذه السياسة الجديدة، وتضاحك أهل الدين وأهل الدنيا ممن يبنى الانتصار على هذه الوسائل. وحق لهم أن يضحكوا ساخرين. أما الماديون من أهل الدنيا فهم يحسبون ذلك دجلا لا طائل تحته. وأما غيرهم فقد وقر في نفوسهم أن الملجأ إلى الله لا يكون إلا قرين العجز، وأثر السلبية المطلقة في علاج الأمور، وقلما يسأل أحدهم ربه إلا وهو محسور. إن هؤلاء يحسبون الإنسانية مع خالقها كالابن العاق مع أبيه الغنى، لا يرجع إليه إلا مضطرا، عندما تفرغ يداه من النقود. ولو فقهوا الآية السالفة: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا .. ) لعرفوا أن قائليها كانوا صفا مناضلا في حومة الوغى، تصرع من حولهم رسل الحق انتصارا للحق، وتفانيا في حمايته. ومع شدة ما يلقون- في ذات الله- من محن، يثبتون ويؤدون واجبهم على خير الوجوه (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) . * * * على هذه الصخرة من علاقة الفرد بربه علاقة إنتاج وإقبال واستغفار لا علاقة كسل وإدبار وانهيار- كان حسن البنا يجمع اللبنات الجديدة لإعادة ما انهدم من أركان الحكم الإسلامى النظيف. وما صدق الناس سلامة هذا الاتجاه في التربية، حتى شهدت بادية الشام، وشطآن القناة أحفاد خالد وأبى عبيدة وابن العوام وابن الصامت صورا متشابهة تتكرر بها معجزة رسول الله في الآخرين، كما بدأت في الأولين. * * * منذ أيام مشيت في جنازة الشهيد"عمر شاهين"، ثم سبحت بى الذكريات ص _215