ومن ثم أدركت أن الوعظ المجرد، والتعليم العابر لا يجديان كثيرا في حل مشكلاتهم، وعندما استمعت إلى"حسن البنا"لأول لقاء بيننا تكشفت لى أمور كثيرة لابد منها في صحة إبلاغ الرسالة، وإمكان النفع الكامل بها. ليس الداعية إلى الله، أداة ناقلة، كالآلة التى تحمل سلعة ما من مكان إلى مكان، وليست وظيفته أن ينقل النصوص من الكتاب والسنة إلى آذان الناس، ثم تنتهى بعد ذلك مهمته!!. كانت لدى"حسن البنا"ثروة طائلة من علم النفسى، وفن التربية، وقواعد الاجتماع، وكان له بصر نافذ بطبائع الجماهير، وقيم الأفراد، وميزان المواهب. وهذه بعض الوسائل التى تعين على الدعوة، وليست كلها. والوسيلة التى تعتبر طليعة غيرها، ولا تؤتى الدعوة إلى الله ثمارها كاملة إذا لم تتوافر لها هى إلهام الله للداعية أن يتخير موضوعه المناسب وأن يصوغه في الأسلوب الذى يلتقى هوى في أفئدة السامعين، ويترك أثره المنشود في نفوسهم وأفكارهم. إن القذيفة قد تنطلق كاملة العناصر، تامة القوة، ولكنها تقع بعيدة عن مرماها، فتذهب هدرا. وما أكثر الخطباء الذين يرسلون من أفواههم حكما بالغة، تنطلق هنا وهناك كما ينطلق الرصاص الطائش، لا يصيب هدفا، ولا يدرك غرضا. وحسن البنا كان موفقا في انتقاء الرجال وكانت كلماته البارعة تأخذ طريقها المستقيم إلى عقولهم فتأسرها. وذلك أمر يرجع إلى فضل الله أكثر مما يرجع إلى المهارة الخاصة، واقتياد الكلمة من فم القائل إلى شغاف قلب السامع، يمكن أن يقال فيه: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) . وقد سمعت بعض تلامذة الإمام الشهيد يرددون المعانى نفسها التى كانت تجرى على لسان الرجل، ويستحيل أن تجد في كلامهم عوجا، ومع ذلك فإن الفتح بها محدود. ص _213