فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 251

ولكن شأن النفوس العظيمة أكبر من هذا، فالنجاة من الأخطار التى يتعرضون لها في سبيل مثلهم العليا لا تعلمهم الحرص على الحياة، ولا تثير فيهم غرائز النهيب والتوجس، بل تزيدهم وفاء لما يعتقدون. كان موسى عليه الصلاة والسلام يكره الظلم والجبروت، مثل أنبياء الله كلهم، وقد جملته الأقدار أن يحارب نوازع الأجرام التى خضع لها قومه حينا من الدهر .. حكى القرآن عنة أنه: (دخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه .. ) . ورأى موسى أن هذه العاطفة الحرة قد تأدت به إلى غير ما يبغى، وأنه- وهو الذى يحارب العدوان- قد زاد في الانتصاف لقومه، وخشى أن يكون قد تعرض بذلك لسخط ربه فهتف: (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) . فماذا كان من موسرا بعد ظفره بالعفو الأعلى؟ كان يستطيع أن يقول: لا أعود لمثلها!، ولكن هذه الكلمة لو قالها قد تفيد أنه تخلى عن مبدئه، وزهد في مساندة الضعفاء. ونكل عن مقاومة الطغاة، فآثر ألا يقول هذه الكلمة، وفضل أن يجدد العهد على أن يظل حرا ينافح عن الأحرار، وعلى أن يظل ثائر المشاعر ضد الفساد والاستعلاء، ثم ترجم شكره للصفح الإلهى بهذه الكلمة: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) . هذا شأن النفوس الكبيرة لا يصرفها عن غايتها العظمى صارف من عنت تلقاه أو خطأ تقع فيه، بل تبقى نماذج حية لعلو الهمة والإفادة من التجارب في نصرة الإيمان. ودعم منطقه، وتمهيد طريقه. ص _192

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت