فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 251

أنه أكد لنا أن ملاقاة العنت في زحام الحياة حقيقة لابد أن يستعد لها المجاهدون، وألا يحاولون الزيغ منها، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) . ألا ما أكثر صور هذه الفتنة المفروضة على الحياة والأحياء، وما أسرع تصديها لرجال العقائد وحملة الدعوات!! لكنهم يطوونها واحدة بعد أخرى، وكأنما ترتفع أقدارهم بمقدار ما يتراكم تحت أقدامهم من سهام تكسرت، ومحن تطامنت واستسلمت. إن العظمة الإنسانية لا تعرف في الرخاء قدر ما تعرف في الشدة، والرجال الكبار هم الذين يملكون أنفسهم عند الردع، وتتحرك خصائصهم العليا عند التحدى والإنكار. لما انهزم المسلمون في معركة"حنين"أول الأمر، وانكشفوا عن قائدهم العظيم فرأى نفسه في موقف محاط بالريبة والحرج، لم يكن لهذه الهزيمة أثر من الضعف أو التخاذل لدى النبى -صلى الله عليه وسلم-، بل صاح في ثقة ورسوخ: أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب أنه في موقف التواضع وتطمين رجل يرتعش من مهابته ينسب نفسه لأمه فيقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة. أما هنا في مواجهة الشك والشماتة فإنه يملأ فمه، بوصفه، وعمله، والمنصب الذى شرفه الله به، واختاره له ومن هنا ثاب الناس إلى رشدهم، وجرف تيار الثقة والصدق المنبعث من قلب رسولهم كل أثارة للقلق، فجاء النصر والفتح. لقد شرحنا كيف يثبت الإنسان لأول مخاطرة تعرض له، حتى إذا نجا من عواقبها قرر ألا يتعرض مرة أخرى لمثلها، ومر بذهنه المثل الذى يردده الجبناء من العوام ما كل مرة تسلم الجرة ص _191

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت