أن ذات يدى قلت؟ أو ليس خزائن السموات والأرض بيدى أنفق منها كيف أشاء؟!. أو أن البخل يعترينى، أو لست أجود من سئل وأوسع من أعطى. أو أن رحمتى ضاقت؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتى. ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غروا أنفسهم بالحكمة التى تورث قلوبهم استحباب الدنيا على الآخرة لعرفوا من أين أتوا. وإذًا لأيقنوا أن أنفسهم هى أعدى الأعداء لهم، كيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام؟ وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربونى ويستحلون محارمى؟ وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها؟ يا عيسى إنما أجزى عليها أهلها. وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء! ازددت عليهم غضبا!. إن تاريخ هؤلاء الناس ملآن بالعبر والمثلات، وجدير بنا أن نتدارسه ونستفيد منه .. فنحن العرب الأمة الوارثة للوحى الإلهى الأخير، كلفنا أن نعمل به وأن ندعو غيرنا إليه أو بتعبير آخر كلفنا أن نصوغ أنفسنا في قالبه صياغة جميلة معجبة، وأن نغرى الآخرين باتباعنا واقتفاء آثارنا والنسج على منوالنا ... وقد نجح آباؤنا الأوائل في ذلك المضمار فكانوا في العالم الذى لما تنقض ذكرياته طليعة حضارية رائعة .. ثم تسللت إلينا علل الأمم البائدة، فطوت راياتنا بعد ما ازدان بها الأفق دهرا طويلا، وانسحبنا من الميدان بغير نظام، وخيم على العالم الإسلامي أجمع سكون البلى والضياع .. ثم بدأت طلائع دورة تاريخية أخرى شق طريقها رجال من أمثال جمال الدين الأفغاني أرادوا أن ينفخوا الحياة في الأمة الهامدة، وأن يذكروها برسالتها الخالدة، ص _169