يتطور إلى أسفل على هذا النحو، فيصم أذنيه أولا عن دعوات المصلحين، ثم يضع يده في أفواههم يبغي إسكاتهم، ثم يقرر آخر الشوط إخماد أنفاسهم. ووجد اليهود الأقدمون جزاءهم العدل على إسفافهم ودناياهم فبطش بهم الأقوياء وملئوا ديارهم رعبا وهوانا. ذكر"ابن كثير"في تاريخه"أن الله أوحى إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له"أدميا"حين ظهرت فيهم المعاصى: أن قم بين ظهرانى قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون، وإنى تذكرت صلاح آبائهم فعطفنى ذلك على أبنائهم. فسلهم كيف وجدوا غب طاعتى، وهل سعد أحد ممن عصانى بمعصيتى، وهل شقى أحد ممن أطاعنى بطاعتى؟ إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها! إن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذى أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقى وأما قراؤهم فعبدوا غيرى، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا على وعلى رسلى، خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم! وإنى أقسم بجلالى وعزتى لأهيجن عليهم جيوشا لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال الفجاج كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى موحشة". وقد حاول اليهود أن يخدعوا الله ببعض الطاعات المغشوشة، وأن يتخلصوا من الهوان الذى نزل بهم باصطناع توبة سهلة، توبة تجعلهم يلبسون ثياب التقوى على كيان من الكنود والتحلل!! والمنافق يستطيع أن يقوم ببعض الصلوات، والمرائى يستطيع أن يؤتى بعض الصدقات ولكن قلبهما بعيد عن اليقين، وفكرهما غريب عن الحق ولذلك جاء- فيما أوحى الله لعيسى بن مريم- على ما روى ابن كثير-:"... وسيقول لك بنو إسرائيل: صمنا فلم يتقبل صيامنا وصلينا فلم تقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم تقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا. فقل لهم: ولم ذاك وما الذى يمنعنى؟ ص _168"