"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"وتلا قوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) . أجل فإن القدر الذى يرقب المجرمين ويحصى عليهم أنفاسهم قد يمهلهم حتى يرتكبوا الإثم الذى يطفح به الكيل فيأخذهم أخذة أسف لا تبقى منهم رطبا ولا يابسا: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) . ونريد من هذا العرض التاريخى أن نعرف سنة اجتماعية خالدة، هى أن مساوئ الأمور يسلم بعضها إلى بعض، وتتوارد نتائجها الوخيمة على الأمم متلاحقة متماسكة حتى تنتهى بها إلى سوء المصير .. ! ذكر القرآن الكريم أن الله حكم على اليهود بالخزى وبين أن هذا الحكم وقع عليهم جزاء منكرات ارتكبوها، وأن هذه المنكرات التى واقعوها بدأت أول أمرها عصيانا عاديا ثم اشتد عودها وتكاثر شوكها. وقال تعالى: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة) . وما سبب هذه العقوبة؟! (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق) . وكيف تجرءوا على هذه العظائم، واستباحوا الكفر والقتل؟ (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . فكأنهم استحقوا الذل لما استهتروا بالكفر والقتل، وكأنهم وقعوا في هذا الاستهتار لما ألفوا العصيان والعدوان، وهذا ترتيب دقيق فالمعصية تقع أولا على استحياء ثم تقترف على توقح، ثم تصبح تقليدا هاما وعرفا شائعا. ويظل المجتمع ص _167