خيانة أو ارتدادا، وهذا الذى تراه في الفلسفات المدنية البحتة نرى مثله بين أتباع الديانات السماوية المختلفة. فاليهود يصرون في أنفسهم على أن"عيسى"لقيط زنيم، ويرمقون مؤلهيه ومكرميه كليهما بنظرة ملؤها السخرية، ولا تزيدهم الأيام إلا بقاء على ما ادعوه واعتمدوه .. وعندما يتحول الخطأ إلى عقيدة ضاربة الجذور في أعماق النفس، وعندما تتحول هذه العقيدة إلى أساس متين لنظام يفرض تعاليمه على المجتمع، وعندما يكون التعرض لهذه العقيدة تعديا على النظام، وتحديا للسلطة القائمة: عندئذ يتوسل الحق إلى بلوغ أغراضه بطرق أخرى إلى جانب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه الطرق ليست عدوانا، بل حدا لعدوان، وكسرا لطغيان .. فالرجل الذى شاخ وهو يدرس الخطأ ويدعو إليه، ويريد أن يستمد من شيخوخته وقارا يدعم به الباطل، ومن علو منصبه في المجتمع هالة يحيط بها الأكاذيب- هذا الرجل لا يرى الإسلام حرجا من تجريح مكانته وخدش منزلته، لا إهانة لشخصه، بل إهانة للضلال الذى يمثله، ويجتهد في الإبقاء عليه. وهذا هو سر تعنيف القرآن الكريم لبعض الطوائف والأشخاص، وحملته القاسية عليهم. (تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله و ما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد) . (كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية) . (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) . ص _145