فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 251

يستغرقها هذا التدبر، فهو لا محالة منته إلى أحد الأمرين، إما الإشراك أو التوحيد. أى أن التفكير العائم سيرسو في القلب عقيدة راسخة كفرا كانت أم إيمانا. وعندما تتحول الفكرة إلى إيمان لا يكون عند صاحبها مجال للشك فيها، أو لإعادة النظر في بحثها، وهذا لا يعنى استغلاق الفكر دون أى جديد، وانتهاء الحرية العقلية. وانسداد باب النقاش أبدا. كلا غاية ما هنالك أن المرء عندما تشرب روحه عقيدة ما، تصطبغ نفسه بلونها، وتمتزج مشاعره بمعناها ويقيس صلاته بالأشخاص والأشياء على ضوئها، ويمتد به العمر فيكبر وتكبر عقيدته معه، ثم تدعمها التجارب وتصقلها السنون، فإذا تكلم عنها فليس كلام المحايد عن أمر لا يأبه له، بل كلام المعنى بما يشغله. وهو قد يناقش غيره، فيشرح بوضوح ما عنده، ويبسط الدلائل التى عمرت باليقين قلبه، ويفند الشبه التى قد توجه إليه. يستمع إلى الاعتراضات والافتراضات ليدحض ويشرح، كالمدرس الذى يفهم تلامذته حقيقة علمية مشرقة في رأسه، فهو يتلقى أسئلتهم وحدسهم بثقة العالم ليكشف العماء، ويزيل الخفاء. بيد أنه لا ينسى- وهو يحاور- أنه يحمل حقيقة راسخة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ولهذا المعنى ظواهر يجب إثباتها، ونسوق هنا مثلا لها، فالقرآن الكريم يوجب- وقد تحولت الفكرة إلى عقيدة- أن يعتز بها صاحبها، وأن يتعصب لها وأن يرفض النيل منها، والزراية عليها من الساخرين والمتهكمين. (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) . ص _143

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت