وامتلاك معاوية للأمر، واستطاعته تحويل مجرى الإسلام على هذا النحو، يرجع إلى أن البشر عادة يخضعون للكبراء وأبناء الكبراء، إذا احترموا الدين، وكانوا أصحاب تلطف وسماحة. وقد كانت أسرة عبد شمس صاحبة الحكم والسلطان في الجاهلية. فلما دخلت الإسلام أخيرا لم تلبث طويلا حتى استطاعت بماضيها العريق، وسياستها اللبقة أن تسترجع سيادتها الأولى. ثم تسخر الدين والدنيا لتدعيم مكانتها .. وتصور مثلا أن الأمير"محمد على"وبعض النبلاء انضموا إلى الإخوان المسلمين قبل وفاة"حسن البنا"بسنوات قلائل انضماما صحيحا، أفترى أن قيادة الإخوان ومناصب الدعوة والدولة كانت تتجاوزهم إلا قليلا؟. إن كرم محتدهم- كما يؤكد الناس- يغالب السبق والبلاء والتضحية. ولذلك لا أعجب إذا كان"على"وصحبه من أولى السبق في الإسلام يلعنون على المنابر في ظل الحكم الأموى الوراثى الجديد. إنها طبيعة الحياة الدنيا غلبت ثم وجدت من الكتاب والشعراء والعلماء من يمشى في الركاب، ويرضى بالواقع، ويستكين لسير الأمور، بل لعله يبررها ويتصيد لها الفتوى. ونحن لم نعدم- من فقهاء الدنيا- من كان يثنى على الملك"فاروق"خيرا، ومع معرفتهم بأنه من أحط ملوك الأرض، وأغلظهم كبدا، وأقذرهم يدا. فقد أصدروا الأمر لأئمة المساجد أن يدعوا له على المنابر قائلين"اللهم إنا نسألك أن تنصر عبدك المخلص في طاعتك فاروقا الأول"وكان كثير من الناس يؤمن على الدعاء وهو لا يدرى ما يقول ولا ما يقال!!. إنه من فضل الله علينا أن رفضنا السير في موكب العبيد، وأننا شننا حربا ص _114