بيد أن الإسلام- وهو دين الفطرة النظيفة، والعقل الرشيد- شرع لأمته معالم الشورى، ورد إلى الشعوب حقها الكامل في اختيار حكامها، وأسقط قيم الدماء والعناصر في موازين التفاضل، فلم يبق في أرضه مكان لمن يزعم مجدا، ويستحق بهذا الزعم ملكا!! وهذا الذى قرره الإسلام قديما .. هو ما قامت من أجله ثورات الحرية في المشرق والمغرب. فأصبح رؤساء الدول يختارون من صميم الشعب. في صورة مكبرة للبيعة التى جاءت بالخليفة الأول في الإسلام. غير أن طبيعة الحياة الدنيا غلبت طبيعة المثل العليا التى قررها الدين. فقد استطاع معاوية بعد ثلاثين عاما أن يلتوى بنظم الحكم الأولى، وأن ينقل عن الروم والفرس بدعة النظام الملكى إلا أنه واءم بين البدعة التى استجلبها وبين ما استقر في نفوس الناس من أن الأمر شورى وأن الخلافة أو أن الأمة- كما نقول- مصدر السلطة. فاحتال لنقل الملك إلى ابنه يزيد. بأن دعا الناس في حياته إلى عقد البيعة له فأصبح يزيد ملكا بالبيعة التى اصطنعت له وإن شعر الناس بأن النظام الإسلامى قد عراه تغير خطير وأن هذه البيعة المفتعلة ستار لعودة الجاهلية الأولى في توريث الملك .. ولم يحتج الملوك المسلمون- بعد استقرار النظام الملكى- إلى هذه المبايعات الصورية، فأصبحت ولاية العهد قانونا مرعى الجانب، مرهوب السلطان. وهكذا تدرج الفساد في أصول الحكم. أتى بالملوك عن طريق البيعة، احتراما لرأى الإسلام في تحكيم الجمهور ثم أهملت مشاعر الجماهير، وفرض عليهم وراث المجد المؤثل! ثم أصبح التفكير في تحكيم الجمهور جريمة يعاقب عليها القانون ... ! وهذا مصداق الأثر الكريم:"كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟!. كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا؟!. كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟!"ص _113