تتسلط أشعة الصيف على السنابل الطرية فتنضجها، أو كما يتسلط لهب المواقد على الأطعمة الفجة فيطيبها. والمرء لا تطيب نفسه إلا على هذا النحو، إنه يظل في عراك مع الأيام، ترميه بأغراضها، ويلقاها بفضائله، لا يسقط ولا يتعثر، حتى ينتهى أجله في الحياة وهو ممن قال الله فيهم: (ولنعم دار المتقين * جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين * الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) . وفقدان التربية الصحيحة من أسوأ علل الشرق الإسلامى، فإن كثيرين من المسلمين يلصقون عنوان الإسلام على أنفسهم كما تلصق الورقة المزوقة على حائط مثقوب أو جدار مشوه! وهذا عبث، إن تجاوز عنه الناس فلن يرضى عنه رب الناس. إن الإسلام لا يستر بلى البناء بطلاء كاذب، ولكنه يهدم ويحفر ليضع الركائن المتينة، ثم يشيد بعد ذلك الشرفات السامقة .. إن الإسلام يعرف الخير حقيقة متغلغلة في النفس، ولا يعرفه مظهرا تافها. وإنك لترى فكرته عن الخير في وصفه الأجواد الأخيار بقوله: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير) . والفرق بين التدين المصنوع، والتدين المطبوع كالفرق بين وجه دميم يختفى تحت مساحيق حمراء وبيضاء، ووجه نقى أغر لا تفارقه ملاحته في ليل أو نهار .. والفرق بين الرجلين كالفرق بين ممثل يؤدى دوره على المسرح، فهو يتكلف له ص _109