واحدة في أنه يجب أن يختار ما يقتضيه الإلجاء، وأن يعلم حاله أن يفعله عند الإلجاء أو يكف عنه. فمتى جمع هذين الشرطين، وصف بأنه إلجاء. والفرق بينه وبين الفعل الواقع من المختار الذى تتردد دواعيه بين الفعل والترك «أنه لا يتعلق به ذم ولا مدح [1] . ولذلك لا يمدح الإنسان على الأكل عند الجوع، والهرب من السبع عند الخوف منه، ولا على الامتناع من قتل الظالم إذا كان يعلم أنه لو حاوله يمنع، ويفارق حاله حال المتمكن الذى ليس بملجإ في كلا الوجهين اللذين قدمناهما.
فإذا ثبتت هذه الجملة، وكنا قد بينا في مواضع كثيرة أنه تعالى لم يرد من المكلف الإيمان على طريق الإلجاء، وإنما أراده على طريق الاختيار، وتأولنا عليه قوله تعالى {فَلَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ أَجْمَعِينَ} [2] إلى غير ذلك من الآى فيما بين الفرق بين الإرادتين، ليعلم أن الذى نفيناه غير الذى أثبتناه، ويعلم علتهما في ذلك.
فإذا ثبت ما قدمناه أن عند سبب الإلجاء يجب الفعل، وأنه تعالى لو أراد الإيمان من العبد على جهة الإلجاء، لكان المعنى في ذلك أن يريد سبب الإلجاء إلى الإيمان، لأنه لا يجوز أن يريد الإيمان على وجه، ولا يتم على ذلك الوجه ألا يفعل سواه، إلا ويريد ذلك الفعل الذى لو فعله تعالى لكان العبد ملجأ إلى الإيمان، وهو أن يفعل تعالى ما عنده لا بد من وقوع الإيمان على وجه لا يستحقون عليه المدح، على ما بيناه.
(1) وقعت هذه العبارة في الأصل بعد قوله: (أو يكف عنه) فى السطر السابق.
(2) الآية: 149من سورة الأنعام، انظر الفقرة: 241، وراجع الفقرة: 80 وآيات المشيئة بعامة.