فى خلق الأفعال، وأنهم أضافوها إلى العبيد أو إلى القديم تعالى، فكيف يصح، مع أن هذا هو المعلوم من حال قومه، وصدر الآيات وعجزها، بل جميعها، هو في هذا الباب أن يذكر في خلاله ما لا يتعلق به ولا يليق بما هو فيه؟
وكل ذلك يوجب بطلان ما حملوا الآية عليه.
وبعد، فإن الأمر لو كان كما قالوا، وصح كونه خالقا لتصرفهم [لما صح] ، أن يجعله عملا لهم لأن العمل إنما يكون عملا للعامل بأن يوجده ويحدثه، ومتى وجب ذلك استحال أن يكون تعالى خالقا له، لأن خلقه لا يفيد إلا إخراجه من العدم إلى الوجود، فإذا حصل كذلك بمن عمله فما الفائدة في كونه خلقا له تعالى؟ هذا يوجب أن يكونوا قد حملوا الكلام على وجه يتناقض!
وبعد، فلو أراد تعالى بذلك أفعال العباد، على ما زعموه، لكان الظاهر لا يقتضي ما قالوه، لأنا قد بينا أن ظاهر الخلق هو التقدير، وأنه لا يمتنع من حيث اللغة أن يكون الخالق خالقا لما لم يفعله في الحقيقة، إذا دبره وقدره والفاعل غيره [1] فكان يجب على هذا الوجه الذى ذكروه أن يقال إنه تعالى أراد: والله دبركم ودبر أعمالكم، ولا يجب كون عملنا خلقا له تعالى.
وبعد، فإن ظاهر الكلام يقتضى أن يكون المراد بقوله: { (وَمََا تَعْمَلُونَ) }
أمرا مستأنفا، لأن اللفظة تدل على الاستقبال وقد علمنا أن ما سيعملونه [2] ، مما لم يوجد بعد، محال أن يكون خلقا له تعالى، لأن ذلك هو صفة الموجود على بعض الوجوه. ومتى قالوا: إن المراد بذلك ليس هو الاستقبال، بل المراد به عملهم الذى تقضى، أو الكائن، فقد زالوا عن الظاهر ونازعونا في التأويل
(1) انظر الفقرة: 220.
(2) فى الأصل: ما يستعملونه.