فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 870

وبعد، فإنه تعالى فعل في الشيطان ما صار به عدوا لبنى آدم، ولولا فعله ذلك لم يصح كونه عدوا. فيحب أن يكون تعالى هو العدو للكافر على قولهم من وجهين: أحدهما أنه فعل به الضرر. والآخر أنه فعل بغيره دعاءه إلى الضرر. فهو العدو والحامل للعدو على العداوة، وقد علمنا أن العاجز عن

الإضرار، بإرادته المضرة بالغير، لا يكون عدوا في التعارف مع ظهور عجزه، فكيف يقال في الشيطان: إنه عدو ولا سبيل له إلى فعل العداوة إلا بأن تخلق فيه! ولا يكون تعالى عدوا للكافر على قولهم مع أنه يخلق الكفر فيه ويحمله عليه ويصرفه عن الإيمان وقدرته ثم يعاقبه عقابا دائما؟ وكيف يقبل نقض الكافر هذا العهد من الله تعالى مع أنه الذى يخلق فيه المعاصى ولا يمكنه التخلص منها.

وفائدة العهد: أن يكون تذكره داعيا إلى ما عهد إليه من ترك المعصية، وذلك لا يصح، مع وجوده فيه من فعل الغير على وجه لا يمكن مفارقته.

619 -وقوله: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ} يقتضى أنه بعثه على عبادته من حيث سهّل الطريق وأوضح السبيل، وذلك لا يصح إلا إذا كانت العبادة من جهتهم تقع، وباختيارهم تكون وإن كان تعالى هو الممكّن لهم من فعلها.

620 -وقوله: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} إنما يتم متى لم يكن هو الخالق للضلال فيهم. وإلا فوجود إضلال الشيطان كعدمه، لأنه لا تأثير له، لأنه إن اختار تعالى فيه خلق الكفر وجب وجوده، أضله الشيطان أم لا، وإن لم يختر ذلك منه فكمثل، فكيف يقال، على طريق الذم للشيطان: إنه أضل خلقا كثيرا، مع أنه تعالى هو الخالق للضلال فيهم، بل هو الخالق لإضلاله لهم وللشيطان أيضا؟ فتعود الحال إلى أنه لا مضلّ إلا الله تعالى، ولا عدوّ للكافر إلا هو، لكنه يضل ويعادى بخلقه الضلال، وبخلق الإضلال والعداوة في غيره.

وهذا ظاهر فيما نريده من إثبات العدل، وأنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يضلّ الكفار والعصاة.

621 -مسألة: قالوا: ثم ذكر تعالى ما يدل على جواز الجوارح عليه،

فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنََّا خَلَقْنََا لَهُمْ مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا أَنْعََامًا} [71]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت