543 -وقوله تعالى من بعد: {قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ}
{قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [39] يدل على أن القوة قبل الفعل لأنه وصف نفسه بأنه قوى على ذلك قبل أن يفعله. ومتى قيل إنه أراد أنه قوى على غير ذلك اقتضى الخروج عن الظاهر، وبطلت الفائدة بالكلام [1] .
544 -مسألة: قالوا: ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يفعل المكر، فقال:
{وَمَكَرُوا مَكْرًا، وَمَكَرْنََا مَكْرًا وَهُمْ لََا يَشْعُرُونَ} [50] .
والجواب عن ذلك ونظيره قد تقدم [2] . وإنما أراد أنه ينجّى صالحا من قومه الذين عزموا على قتله [3] ، من حيث لا يشعرون، فوصف ذلك مكرا على جهة التوسع، على ما قدمناه من قبل.
545 -وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذََا دَعََاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفََاءَ الْأَرْضِ} [62] قد بينا أن المراد ما يجعل [4] بما صاروا به خلفاء في الحقيقة، من الأحوال التى يفعلها الله تعالى لهم.
ويجوز أن يراد بذلك اللطف والمعونة.
(1) روى القاضى أن أبا العباس الحلبى سأل أبا الحسن البرذعى (من رجال الطبقة الثامنة) :
ما الدليل على أن الاستطاعة قبل الفعل؟ فقال: قوله تعالى: { [قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ] } فأخبر أنه قوى على أن يأتى بعرش ملكة سبأ قبل أن يأتى به فقال الحلبى: كذب العفريت وقوله غير مقبول كقول المعتزلة! فقال البرذعى:
ما أجراك ويحك، إن الله تعالى إذا أخبر عن قوم يكذب كذبهم، ألا ترى إلى قوله:
{ [غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ] } المائدة 64وقوله تعالى: { [لَوِ اسْتَطَعْنََا لَخَرَجْنََا مَعَكُمْ] } ثم قال: { [إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ] } التوبة 42أفتكذب من لم تكذّبه الله، وتنكر على من لم ينكر عليه سليمان نبى الله؟ فانقطع الحلبى. شرح عيون المسائل للحاكم، مخطوط.
(2) انظر الفقرة 20والفقرة 62.
(3) انظر الآيات: 5045من السورة.
(4) خرم في الأصل بمقدار كلمة واحدة، والمعنى: أن المراد ما صاروا به خلفاء الخ.