ويبين ذلك: أنه لما سئل عن سبب قتل الغلام أعاد هذا القول، ولولا أنه أراد بالأول أن ذلك يثقل عليه لم يكن لإعادته عليه معنى! ولكان لا يجوز أن يوبخه على ذلك! ولما صح من موسى أن يجعل العذر في ذلك في قوله: {قََالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهََا فَلََا تُصََاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [76] لأنه إذا كان لا يقدر على الصبر عن ذلك في الحقيقة، لم يصح أن يكون هذا جوابا له ولذلك قال في آخره: {قََالَ هََذََا فِرََاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مََا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [78] فبين أنه إنما أراد بالقول الأول أنه يثقل
عليه الكف عن المسألة عما شاهده من الأمور التى لا يقف على سببها. وقد يقال في مثل هذا القول: ألا ترى إلى قول القائل: إن فلانا لا يستطيع أن يسمع كلام فلان، «فى أن [1] يراد بذلك أنه يثقل عليه، ولا يخف على طباعه! وكل ذلك يبين فساد تعلقهم بهذه الآية.
442 -وقد استدل شيوخنا، رحمهم الله، بقوله: {وَأَمَّا الْغُلََامُ فَكََانَ أَبَوََاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََانًا وَكُفْرًا} [80] على القول في اللطف، لأنه تعالى بين أنه إنما قتله، وحسن منه ذلك «من حيث [2] لو بقى لكان في بقائه مفسدة لأبويه. وكانا يختاران لأجله الكفر، وذلك يوجب أن منع ما هو مفسدة في التكليف واجب، وأن فعل ما يدعو إلى ترك الكفر، وللإيمان، لا بد منه في إزاحة العلة.
ويدل على قولنا في أفعال العباد، وذلك أنه تعالى لو كان يخلق فيهما الكفر إذا بلغ، لكان وجود قتله كعدمه، في أنه لا تأثير له في ذلك، وإذا كان يتقيه الغلام لا يحمل القديم تعالى على فعل الكفر فيهما، فما الفائدة في أن يقتل لهذه العلة.
443 -مسألة: قالوا: ثم ذكر بعده ما يدل على أن الاستطاعة مع الفعل وأن من لا يفعل الفعل لا يكون مستطيعا له، فقال: {وَعَرَضْنََا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكََافِرِينَ عَرْضًا الَّذِينَ كََانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطََاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكََانُوا لََا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [101100] .
(1) د: وأن.
(2) د: لأنه.