فأما في الوجه الذى قال، فلم يقع التشبيه، وإنما يفارق أحدهما الآخر [1] فى هذا الباب لأن ما سأله أهل الكتاب، يتعلق بالاختيار من إنزال الكتاب، وما سألوه يتعلق بصفات ذاته، فلا يجب أن يكون بمنزلته [2] .
179 -مسألة: قالوا: ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يمنع الكافر من الإيمان فقال: {فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيََاتِ اللََّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنََا غُلْفٌ. بَلْ طَبَعَ اللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ فَلََا يُؤْمِنُونَ إِلََّا قَلِيلًا} [155] .
والجواب عن ذلك: أنا قد بينا أن الطبع هو مثل الختم، وأنه علامة يعرف بها حال المطبوع على قلبه [3] ، وبينا الفائدة في ذلك، وأنه لطف للعباد إذا علموا أن الملائكة تعلم به من يستحق الذم فتذمه بذكر أحواله، وبينا أنه ليس يمنع، وأن العلامة كالكتابة والخبر في أنها لا تكون منعا، وأنه بمنزلة الختم على الكتاب في أنه لا يمنع من قراءته.
وقوله تعالى في هذه الآية، {فَلََا يُؤْمِنُونَ إِلََّا قَلِيلًا} يدل على أنه ليس يمنع لأنه كان يجب أن يمنع الكل على حد واحد، فلا يصح الإيمان من
(1) فى د: الأخرى.
(2) أوضح القاضى الرد على المخالف في هذا الوجه، فقال: «إن الوجه في تشبيه أحدهما بالآخر، ليس هو ما ظننته، وإنما أراد جل وعز أن مسألة أهل الكتاب ذلك للرسول صلى الله عليه خطأ عظيم كما أن مسألة قوم موسى عليه السلام خطأ عظيم، منبها بذلك نبينا صلوات الله عليه أن مثل ما امتحن به قد لحق السلف من الأنبياء» ثم قال القاضي: «فإذا صح ذلك الكلام في أن أحد الأمرين وإن كان خطأ، يجوز وقوعه، لأنه يتعلق بالفعل الواقع باختياره والآخر يرجع إلى ما هو عليه في ذاته لا مدخل له في الكلام» انظر: المغنى الجزء الرابع (رؤية البارى) ص: 169، وانظره كذلك، ص: 196و 197.
(3) انظر الفقرة: 18.