فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 870

ويدل على قولنا من وجه آخر، وذلك لأن قوله: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ} تخصيص له بأنا نعبده دون غيره، وذلك لا يصح إلا بأن يكون العبد مختارا لفعل على فعل، لأنه «قد تقع العبادة [على وجه الإلجاء] [1] وإنما ينصرف الفعل إلى أن يكون عبادة لله عز وجل، باختياره وبأمور تتعلق به، وفى ذلك إبطال القول بأن هذه الأفعال لله عز وجل يخلقها في العبد.

ويمكن أن يستدل على نحو ذلك بأمره تعالى لنا أن نستفتح القرآن وغيره بسم الله الرحمن الرحيم، لأن ذلك هو استعانه به من حيث نستفتح بذكره الأمور التى نريدها ونعزم عليها، والاستعانة به في ذلك إنما تصح متى كنا المختارين للفعل، العادلين عن غيره إليه، ولذلك لا يصح أن نستعين بذكر اسمه على الأمور الضرورية التى يخلقها فينا.

فإن قيل: فهل يدل الظاهر على ما سأله القوم؟

قيل له: لا لأن الاستعانة تقتضى التماس المعونة من قبله، ولا تدل على تفصيل المعونة، وما يفعله عز وجل من الأمور المعينة على الطاعة أشياء كثيرة، فمن أين أن المراد به القدرة دون غيرها؟! نحو الصحة والخواطر والدواعى والتنبيه!

وبعد، فإن المراد به لو كانت القدرة لكان إنما يدل على أنها تتجدد، ولا يدل على أنها مع الفعل، وهذا مذهب كثير من أهل العدل [2] ،

(1) عبارة الأصل: «قد تصح العبادة بالفعل كما يصح له» ولا تستقيم مع ما بعدها من التفريع، ولعلها كما أثبت أقرب إلى الصواب، وأقرب كذلك إلى ما يراه القاضى في موضوع القدرة والاختيار.

(2) اختلف المعتزلة في القدرة: هل تبقى أم لا؟ على مقالتين: فقال أكثرهم إنها تبقى، وقال قائلون: «لا تبقى وقتين، وإنه يستحيل بقاؤها، وإن الفعل يوجد في الوقت الثانى بالقدرة المتقدمة المعدومة، ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز، بل يخلق الله في الوقت الثانى قدرة» وهذا مذهب أبى القاسم البلخي وغيره من المعتزلة. انظر مقالات الإسلاميين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت