وإذا قيس على هذه المسألة مثيلاتها من المسائل التي ورد فيها الأسلوب مطلقًا كان الْخلاف بين النكرة والْمطلق له حظٌ من النظر؛ لاختلاف الْحكم الفقهي الْمستنبَطُ تبعًا للنظر إلى دلالة كل منهما.
الوجه الثاني: مصطلح النكرة عند النحويين، والبلاغيين، واللغويين يطلق على الاسم الْمنكر سواء كان في سياق الإثبات، أو في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي لا خلاف بين الأصوليين في كونها مِن ألفاظ العموم، ولا قائلَ بِمرادفة الْمطلق للفظٍ من ألفاظ العموم الْمعروفة في كلام العرب ( [10] ) .
ـ الوجه الثالث: لو سُلِّم أنَّ النكرة في سياق الإثبات ترادف الْمطلق على مذهب قائليه، كالآمدي ( [11] ) وغيره ـ فإنه يَرِدُ على ذلك كون النكرة في سياق إثبات ( [12] ) اقترن بأداة استغراق، ككون النكرة في سياق الشرط مِن ألفاظ العموم، كقوله تبارك وتعالى:) وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (( [13] ) ، مع اتفاق الناس أَنَّها في سياق الإثبات، وكذلك النكرة الْمضافة ك (كل) في مثل قوله تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (( [14] ) .
ـ وجه التشابه والاختلاف اللفظي بين النكرة والمطلق
أولا: وجه التشابه:
تتشابه النكرة مع الْمطلق لفظًا على رأي مَن يقول بدلالة المطلق على الوحدة الشائعة إذا كانت النكرة محضة غير مختصة بوصف، أو إضافة كـ (رقبة) من قول الله I: ) فَكُّ رَقَبَةٍ (( [15] ) ؛ لأنَّ (رقبة) ـ هنا ـ يصح إطلاق لفظ التنكير عليها؛ لكونها قابلة لعلامات النكرة، ويصح إطلاق لفظ الْمطلق عليها؛ لعدم تقيُّدِها بقيد مِن قيود الْمقيَّد؛ ولكونها في سياق إثبات لَم يقترن بأداة استغراق.
ثانيا: وجه الاختلاف:
تَختلف النكرة مع المطلق لفظًا إذا كانت النكرة مختصة بوصف أو إضافة، نحو: (رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) مِن قوله I: ) وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (( [16] ) ؛ لأنَّ (رقبة) ـ هنا ـ قُيدت بالإيمان ـ فأخرجها ذلك من الإطلاق إلى التقييد فتُسَمَّى بالمقيد في اصطلاح الأصوليين؛ جاء في التقرير والتحبير: (( الْمقيد: ما أخرج من الشياع بوجه من الوجوه، كـ(رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) فإنها وإن كانت شائعة بين الرقبات المؤمنات فقد أخرجت من الشياع بوجه ما حيث كانت شائعة بين الْمؤمنة وغير الْمؤمنة فأزيل ذلك الشياع عنه وقيد بالْمؤمنة فكان مطلقا مِن وجه، مقيدًا من وجه. )) ( [17] ) .
أما على اعتبار كون المقيد عند الأصوليين مطلقًا من وجهٍ، ومقيدًا من وجهٍ، كـ (رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) ـ فكلمة (رقبة) مقيدةٌ مِن جهة عدم دخول غير الْمؤمنين في حكم العتق، ومطلقةٌ من جهة صلاحيتها لكلِّ فرد من المؤمنين على طريق البدل، فهذا لا يُخرجها من مُسمّى المطلق.
وهذا ما جعَلَ كثيرًا مِن العلماء لا يُفَرِّقون بين الْمطلق وبين النكرة مطلقًا كان أم مقيدًا؛ لأنَّ النكرة ـ أيضًا ـ لا تفقد إطلاقها مهما قُيِّدَتْ وخُصِّصَتْ إلا إذا تَحولت إلى معرفةٍ، لكنْ هذا لا ينفِي عدم الترادف في الاصطلاح الأصولي على مذهب من قال بعدم ترادفهما.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
حرره طالب في 28/ 07 /1429ـ 31/ 07 /2008
( [1] ) ـ كابن قدامة الْمقدسي في روضة الناظر وجنة الْمناظر:259، والآمدي في الإحكام:3/ 5، وأبوعبد الله البعلي الْحنبلي في الْمطلع على أبواب الْمقنع:394، والشاطبي في الْموافقات:3/ 129، ومحب الله بن عبدالشكور في مسلم الثبوت في أصول الفقه:1/ 360.
( [2] ) ـ ينظر: التعريفات:280.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)