وتمر الأيام بطيئة، ويوفقنى الله في درجاتى العلمية بالجامعة، وأواصل العمل في الكتاب، ولكن العائق الذى كان يقف أمامى هو عدم وجود بعض دواوين الشعراء الذين استشهد ابن رشيق بأشعارهم، فكنت أبحث عن البيت أو الأبيات في مظانها حتى أستوفيها أو أقارب، ثم شاءت إرادة الله أن أسافر إلى الرياض في عام 1990م للعمل في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولما انتقلت الكلية إلى مبنى الجامعة الجديد بعد عام من سفرى وجدت أن المكتبة المركزية قريبة من الكلية، فكنت أقضى فراغ وقتى فيها، وهذه المكتبة عامرة بأنواع الكتب وأنواع المكتبات التى
باعها ورثة أصحابها، فوجدت الكثير من الدواوين التى كانت تنقصنى، واشتريت الكثير أيضا من المعارض في الرياض والقاهرة في طبعاتها الجديدة، وسوف يرى القارىء أننى أذكر الديوان بعد التخريج ضنّامنى بحذف ما قمت به من عمل أرى أنه مثمر إن شاء الله.
وعلى الرغم من ذلك فإننى لم أنقطع عن طريقتى في العمل والتى ذكرتها سابقا وهى أن أعمل في أكثر من عمل، فقد كنت في الرياض أعمل في كتاب العمدة وكتاب سر الفصاحة بعد أن عثرت على نسخة مخطوطة عتيقة له، وسيأتى الحديث عن ذلك في سر الفصاحة إن شاء الله، وكانت السنوات الخمس التى قضيتها في الرياض إكمالا لهذا العمل في هذا السفر الجليل الذى سماه صاحبه العمدة، وأستميح القارئ الأديب المحب أن أسمى عملى في هذا الكتاب العمدة في تحقيق العمدة، وسوف يرى القارئ المحب أننى محق في هذه التسمية، هذا وإننى أهمس في أذن القارئ الأديب أن يقرأ ما كتبته بعد هذه المقدمة لأن هذه المقدمة مفتاح يفتح غرفة مليئة بالمفاجآت والمفارقات التى لابد أن يعرفها القارئ العزيز.
وعلى الرغم من طول مدة العمل في هذا الكتاب فإنه لن ينال رضا كل الناس وإن كان العلماء منهم سيرضون ويفرحون، أما الآخرون فلن يرضيهم شىء، وسيحولون ضوء الشمس إلى ظلام دامس لأن الشمس تعشى عيونهم، وقد قال ابن رشيق: إن كل من بحث عن شىء وجده.
من أجل ذلك فإننى أرجو أن يسامحنى العلماء الأفاضل إذا رأوا تقصيرا في مكان، وأرجو أن ينبهونى إلى ذلك مشكورين.
وقبل أن أختم كلامى لابد أن أذكر بالشكر والتقدير مشاركة أخى الأستاذ محمد الخانجى لى في كل المتاعب التى لقيتها في أثناء الطباعة، فقد كان يقرأ ويراجع معى، وإننى أجد من اهتمامه بالتراث والعناية به ما يفوق كلّ وصف أو مدح لأن التراث بالنسبة له حياة، فإذا ذكر التراث ذكر محمد الخانجى، وإذا ذكر محمد الخانجى ارتبط اسمه بخدمة التراث، فبينهما وشيجة لا تنفصم، وليس هذا بغريب على أسرة الخانجى، وإننى أرجو أن يكون خير خلف لخير سلف من أبيه وجده، وقد أثبتت الأيام أنه جدير بخدمة التراث والعناية به، وكانت جائزة التراث خير شاهد على ذلك.
هذا وإننى أرجو أن أكون قد وفقت فيما أردته، والله حسبى ونعم الوكيل رَبَّنََا
لََا تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَهَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهََّابُ
[آل عمران: 8] وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.