والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعا في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ، ثم لم يكن محالا محضا، فهو مجاز لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه، والاستعارة، وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعنى اسم المجاز بابا بعينه وذلك أن يسمّى الشئ باسم ما قاربه، أو كان منه بسبب، كما قال جرير بن عطية: [الوافر]
إذا سقط السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا [1]
أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن يريد [2] بالسماء السحاب لأن كلّ ما أظلّك فهو سماء، وقال: «سقط» يريد سقوط المطر الذى / فيه، وقال:
«رعيناه» ، والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذى يكون عنه، فهذا كله مجاز.
وكذلك قول العتّابى: [البسيط]
يا ليلة لى بحوّارين ساهرة ... حتّى تكلّم في الصّبح العصافير [3]
(1) لم أجد البيت في ديوان جرير، ولا في الشعر المنسوب إليه، وهو دون نسبة في تأويل مشكل القرآن 135والموازنة 1/ 35ولكن المحقق رحمه الله ذكر في الهامش أنه لمعود الحكماء، كما في الاقتضاب واللسان ومعجم الشعراء والمفضليات، وذكر أن البيت غير منسوب في الصناعتين، ومقاييس اللغة والأمالى.
وأقول: إن محقق الأمالى ذكر في الهامش 1/ 181أن البيت لمعود الحكماء، وكذلك صنع محقق الصناعتين 276، ولعل المحقق رجع إلى نسختين مختلفتين عما عندى، وصنع محقق تحرير التحبير صنيع محقق تأويل مشكل القرآن فنقض قول المؤلف أن البيت لجرير، وذكر أنه لمعود الحكماء، وذكر مصادره أيضا، وأقول: إن البيت جاء في أدب الكاتب 77والسمط 1/ 448لمعود الحكماء.
كما أقول: إن البيت جاء في معاهد التنصيص 2/ 260وفيه ذكر المؤلف أن غالب شارحى التلخيص نسبوا البيت إلى جرير، وذكر في نهاية كلامه أنه مما يدل على أن البيت لمعود الحكماء أنه لم يوجد في قصيدة جرير على اختلاف رواتها. وجاء البيت مرتين في خزانة الأدب 4/ 156و 9/ 555 وفى الأولى كان دون نسبة، وذكر المحقق في الهامش أنه لمعود الحكماء أو لجرير ولكنه في الأخرى ذكر أنه لمعود الحكماء، وجاء دون نسبة في المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث 2/ 131ونسب في هامشه إلى معود الحكماء. وفيه «رعيناها» وهو ضمن قصيدة لمعود الحكماء في المفضليات 359
(2) فى المطبوعتين ومغربية: «أن تريد» .
(3) البيت جاء ثلاث مرات في الحيوان 2/ 296و 5/ 228و 7/ 55، ولكنه لم ينسب في الأخيرة، والموشح 450، ومجالس العلماء 23دون اختلاف بين الجميع، وزهر الآداب 2/ 945، وفيه: «فى حوران» ، وجاء دون اختلاف ودون نسبة في معجم البلدان فى [حوران] ، وجاء في الأغانى 13/ 122و 124وفيهما جاء البيت هكذا: