وقال كرّة أخرى في مثل ذلك يتشكّى [1] : [الكامل]
وحبيت من خوص الرّكاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشى راكبا [2]
وقال أيضا يتصعلك ويتفقّر: [المنسرح]
ومهمه جبته على قدمى ... تعجز عنه العرامس الذّلل [3]
بصارمى مرتد بمخبرتى ... مجتزئ بالظّلام مشتمل [4]
ولو شاء قائل أن يقول: إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب، لكن أراد أنه معه في بلدة واحدة، قصده في حاجته محتذيا نعليه لكان ذلك وجها [5] ، ما لم يكن الحضرمىّ [6] من الجلود مخصوصا به المسافر دون الحاضر، وظاهر الكلام أن مقصد الشاعرين واحد.
وقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضا في كثير من شعره، وكان يؤثرها على الإبل لما يقوم في نفسه من التّهيّب بذكر الخيل، وتعاطى الشجاعة، فقال يذكر قدومه إلى مصر على خوف من سيف الدولة [7] : [الطويل]
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيّان تغرب [8]
(1) ديوان المتنبى 1/ 125
(2) الخوص جمع خوصاء: وهى الناقة الغائرة العينين من الجهد والإعياء. الركاب: الإبل، ويقصد النعل. والدارش: ضرب من الجلود، وهو جلد الضأن، يقول: بدّلت من خوص الركاب بخف أسود من ردىء الجلود، وأنا ماش راكب. ومن خوص الركاب: أى بدلا منها، كقوله تعالى:
{وَلَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََا مِنْكُمْ مَلََائِكَةً} [الزخرف 60] أى بدلا منكم [من الديوان] .
(3) ديوان المتنبى 3/ 211
المهمه: الفلاة، أو ما بعد من الأرض واتسع. جبته: قطعته. والعرامس: النوق الصلاب الشديدة. والذلل: المذللة بالعمل، والمروّضة بالسير.
(4) المخبرة: الخبرة والمعرفة. والاشتمال هنا من شمله الشىء إذا عمّه.
(5) فى ف والمطبوعتين: «أظهر وجها» ، وما في ص يوافق المغربيتين.
(6) يقصد لفظ «الحضرمى» الذى جاء في قول أبى نواس السابق.
(7) ديوان المتنبى 1/ 179
(8) كمنته: اختفيت وقعدت بالكمين. وأيان بمعنى متى.