والمقصود بالجاسوس المسلم: هو الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام وينقل أخبار المسلمين وعوراتهم إلى الكفار، يُطْلع الكفار على عورات المسلمين، وهذا الكلام فيه طويل، اختلف فيه العلماء على ستة أقوال.
ما هو حكم الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام؟
فالمذهب الأول: أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله، وهذا مذهب الشافعية، ومذهب الأحناف، وكذلك ظاهر مذهب أحمد، أن الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام -وهو الذي عرّفناه- ذهب هؤلاء العلماء إلى أنه لا يجوز قتله ويعاقبه الإمام بما دون ذلك، من حبس أو ضرب أو نحو ذلك.
القول الثاني: أن الجاسوس الذي ظاهره الإسلام حكمه حكم الزنديق، والزنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفر، وهو الذي كان يسمى في زمن النبوة بالمنافق، وحكم الزنديق على هذا المذهب أنه إن جاء تائبًا من عند نفسه قبل أن يُقدر عليه قُبلت توبته، وأما إن ظُهر عليه يعني اُكتُشف وقبض عليه ثم ادعى التوبة بعد ذلك فلا تقبل توبته، يقتل ولا بد. وهذا قول ابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد في مذهبهم، هو قول ابن القاسم وتبعه بعض علماء المالكية كابن رشد وغيره.
القول الثالث: أن الجاسوس الذي ظاهره الإسلام إذا نقل أخبار المسلمين إلى أعدائهم فهذا قد ارتدَّ، قد ارتكب مكفرًا فيستتاب كغيره من المرتدين، فإن تاب قُبلت توبته وإلا ضُربت عنقه، وهو قول أشهب من المالكية، من علماء المالكية.
القول الرابع: إذا تكرر منه الفعل، إذا تجسس أكثر من مرة، وكانت هذه عادته، قُتل، وإلا فلا. وهذا قول عبد الملك ابن الماجشون من المالكية، ولشيخ الإسلام عبارة يُفهم منها هذا في [الاختيارات العلمية] .
القول الخامس: أن أمره راجع إلى اجتهاد الإمام، ينظر فيه فما رآه من العقوبات مناسبًا لحاله أقامه عليه، وعلى هذا فقد تصل عقوبته إلى القتل، لكن ليس على سبيل الوجوب وإنما على سبيل النظر والاجتهاد، وهذا قول الإمام مالك -رحمه الله-، قال في الجاسوس يُقبض عليه وقد كاتب الروم قال:"لم أسمع فيه شيئًا وأرى فيه الاجتهاد". وهو الذي رجحه الإمام ابن تيمية ورجحه أيضًا الإمام ابن القيم، وهو الذي مال إليه أيضًا الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] وغيرهم من العلماء.