دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى الْقِتَالِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجِهَادِ ألْبَتَّةَ، وَالْمَعْنَى لَا تُؤَاخَذُ إِلَّا بِفِعْلِكَ دُونَ فِعْلِ غَيْرِكَ، فَإِذَا أَدَّيْتَ فِعْلَكَ لَا تُكَلَّفُ بِفَرْضِ غَيْرِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي حَقِّ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَمَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يُفِيدُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِدَلِيلِ قوله تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67] وبدليل قوله هاهنا: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَ «عَسَى» مِنَ اللَّه جَزْمٌ، فَلَزِمَهُ الْجِهَادُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا هُوَ
الْجِهَادُ وَتَحْرِيضُ النَّاسِ فِي الْجِهَادِ، فَإِنْ أَتَى بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ غَيْرِهِ تَارِكًا لِلْجِهَادِ شَيْءٌ.
(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(85)
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْكِفْلُ: هُوَ الْحَظُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الْحَدِيدِ: 28] أَيْ حَظَّيْنِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَلْتُ الْبَعِيرَ وَاكْتَفَلْتُهُ إِذَا أَدَرْتَ عَلَى سَنَامِهِ كِسَاءً وَرَكِبْتَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: كَفَلْتُ الْبَعِيرَ وَاكْتَفَلْتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ كُلَّ الظَّهْرِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنَ الظَّهْرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُظَفَّرِ: لَا يُقَالُ: هَذَا كِفْلُ فُلَانٍ حَتَّى تَكُونَ قَدْ هَيَّأْتَ لِغَيْرِهِ مِثْلَهُ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي النَّصِيبِ، فَإِنْ أَفْرَدْتَ فَلَا تَقُلْ لَهُ كِفْلٌ وَلَا نَصِيبٌ.