وَالثَّانِي: هَبْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ جَمِيعَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يُوَاجِهُونَهُ بِالْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ، وَلَا يُوَاجِهُونَهُ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ.
(فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَلِيلَ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ، وَالْمَعْنَى فَلَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ
إِلَّا أَقْوَامٌ قَلِيلُونَ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ عَبْدَ اللَّه بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّه مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَلِيلَ صِفَةٌ لِلْإِيمَانِ، وَالتَّقْدِيرُ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ باللَّه وَالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ: لِأَنَّ «قَلِيلًا» لَفْظٌ مُفْرَدٌ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ نَاسٌ لَجُمِعَ نَحْوَ قَوْلِهِ: (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) [الشُّعَرَاءِ: 54] وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ قَالَ تَعَالَى: (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) [النِّسَاءِ: 69] وقال: (وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ) [الْمَعَارِجِ: 10، 11] فَدَلَّ عَوْدُ الذِّكْرِ مَجْمُوعًا إِلَى الْقَبِيلَيْنِ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِمَا الكثرة.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ...(47)
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إِلَى مَنْ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) ؟
الْجَوَابُ: إِلَى الْوُجُوهِ إِنْ أُرِيدَ الْوُجَهَاءُ أَوْ لِأَصْحَابِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَ قَوْمٍ، أَوْ يَرْجِعَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ.