وإن هذا والله لينطبق على المسلمين اليوم أتمَ الانطباق، فهم قد اتبعوا سنن من قبلهم، ونهجوا نهجهم حذو القذة بالقذة، فما بالهم عن التذكرة معرضين، وكتاب الله بين أيديهم شاهد عليهم، وهو يتلى بين ظهرانيهم، فإنهم مع حفظهم لكتابهم، وتلاوتهم إياه في كل مكان في الشوارع، والأسواق، ومجتمعات الأفراح والأحزان، تركوا تبيينه للناس والعمل به، ففقدوا هدايته وعميت عليهم عظاته، وزواجره وحكمه وأسراره، واعترفوا بأنهم انحرفوا عنه، وصار القابض على دينه بينهم كالقابض على الجمر، والضمير في قوله: {وَاَشتَرَوْا بِهِ} عائد إلى الكتاب الذي أمروا ببيانه، ونهوا عن كتمانه؛ أي: وأخذوا بكتمانه {ثَمَنًا قَلِيلًا} وعوضًا يسيرًا من حطام الدنيا، وأغراضها من المآكل والمشارب، والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم، وسفلتهم يعني أخذوا عوضًا منه فائدة دنيويةً حقيرة، فغبنوا في هذا البيع والشراء، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤسين من حطام الدنيا، ليتمتعوا بلذاتها الفانية، وشهواتها الفاسدة، وكانوا يؤولون الكتابَ، ويحرفونه، لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام، أو الرجاء فيهم، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره، أو لإرضاء العامة، أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم، وهذا كله أيضًا مما ابتلي به علاء المسلمين الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.