وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) يَعْنِي إِنَّمَا الْهِدَايَةُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِرْشَادُ إِلَيْهَا وَالْإِعَانَةُ عَلَيْهَا عَلَى اللَّه تَعَالَى فِي حَقِّ مَنْ أَتَى بِالذَّنْبِ عَلَى سَبِيلِ الْجَهَالَةِ ثُمَّ تَابَ عَنْهَا مِنْ قَرِيبٍ وَتَرَكَ الْإِصْرَارَ عَلَيْهَا وَأَتَى بِالِاسْتِغْفَارِ عَنْهَا.
ثُمَّ قَالَ: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ إِذَا أَتَى بِالتَّوْبَةِ قَبِلَهَا اللَّه مِنْهُ، فَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ التَّوْفِيقُ عَلَى التَّوْبَةِ، وَبِالثَّانِي قَبُولُ التَّوْبَةِ.
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا(18)
إنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قِسْمَيْنِ، فَقَالَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) [النساء: 17] وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ وَاجِبٌ، وَقَالَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) فَهَذَا جَزْمٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ تَوْبَةَ هَؤُلَاءِ فَبَقِيَ بِحُكْمِ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ قسم ثالث: وهم الذين لم يَجْزِمُ اللَّه تَعَالَى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَلَمْ يَجْزِمْ بِرَدِّ تَوْبَتِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتُوبُونَ إِلَّا عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْبَأْسِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ، ثُمَّ يَتُوبُونَ، فَهَؤُلَاءِ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ يَرُدُّ تَوْبَتَهُمْ، بَلْ تَرَكَهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى تَرَكَ مَغْفِرَتَهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ حَيْثُ قَالَ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) .