وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَوَقَّعُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ نُزُولَ الْمَوْتِ بِهِ، وَمَا هَذَا حَالُهُ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْقُرْبِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: (مِنْ قَرِيبٍ) ؟
الْجَوَابُ: أَنَّهُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، أَيْ يَجْعَلُ مُبْتَدَأَ تَوْبَتِهِ زَمَانًا قَرِيبًا مِنَ الْمَعْصِيَةِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي زُمْرَةِ الْمُصِرِّينَ، فَأَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ بِزَمَانٍ بَعِيدٍ وَقَبْلَ الْمَوْتِ بِزَمَانٍ بَعِيدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَارِجًا عَنِ الْمَخْصُوصِينَ بِكَرَامَةِ حَتْمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى اللَّه بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) وَبِقَوْلِهِ: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وَمَنْ لَمْ تَقَعْ تَوْبَتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْعُودِينَ بِكَلِمَةِ «عَسَى» فِي قَوْلِهِ: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [التَّوْبَةِ: 102] وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّبْعِيضُ، أَيْ يَتُوبُونَ بَعْضَ زَمَانٍ قَرِيبٍ، كَأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى مَا بَيْنَ وُجُودِ الْمَعْصِيَةِ وَبَيْنَ حُضُورِ الْمَوْتِ زَمَانًا قَرِيبًا، فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الزَّمَانِ أَتَى بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ تَائِبٌ مِنْ قَرِيبٍ، وَإِلَّا فَهُوَ تَائِبٌ مِنْ بَعِيدٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) ؟
قُلْنَا: فِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّه قَبُولُهَا، وُجُوبَ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، لَا وُجُوبَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَوْلُهُ: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ.