ويمكن أن يقال. إن المراد بقوله - تعالى - {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} ... أن زكريا - عليه السلام - عندما طلب آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذي بشره الله به، أخبره - سبحانه - أن العلامة على ذلك أن يوفق إلى خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها اتجاها كليا إلى ذكر الله وتمجيده وتسبيحه، دون أن يكون عنده أي دافع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك، وعلى هذا يكون انصراف زكريا - عليه السلام - عن كلام الناس اختيارا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الكشاف.
(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45)
وابن مريم: هو كنيته، وهي للإشارة إلى أن نسبه ثاتب لأمه لا لأحد سواها وليس ابنا لله - تعالى - كما قال الضالون.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟
قلت: لأن الأبناء ينسبون إلى الأباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه. وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين:
فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة. قلت لأن المسمى بها مذكر.
«فإن قلت» : لم قيل اسمه المسيح عيسى بن مريم وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟
قلت: الاسم المسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة"."
والمعنى الإجمالي للجملة الكريمة: اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أي بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب، هذا المولود العجيب اسمه الذي يميزه لقبا المسيح ويميزه علماً عيسى ويميزه كنية ابن مريم.
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)
قال صاحب الكشاف: وقوله {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم - أي للأمر الذي لأجله كان ذلك التشبيه - أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم وكذلك حال عيسى.
«فإن قلت» : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ووجد آدم ن غير أب وأم؟