قلت: هو مثيله في أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به لأنه وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران. ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأحسن لمادة شبهته إذا نظر فيم هو أغرب مما استغربه"."
وقوله {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تصوير لخلق الله - تعالى - آدم من تراب أي أراد - سبحانه - أن يوجد آدم فصوره من طين ثم قال له حين صوره كن بشرا فصار بشرا كاملا روحا وجسدا كما أمر - سبحانه - .
فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة الله، تصويرا بديعا يدل على أنه - سبحانه - لا يعجزه شيء في هذا الكون.
وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في"يكون"دون الماضى بأن يقول"فكان"لأن العبير بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن وجهة أخرى فإن صيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله - تعالى - المستمر في المستقبل كما كان في الماضى.
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - {بلى} إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم.
وقوله {مَنْ أوفي بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدّت {بلى} مسدها. والضمير في {بِعَهْدِهِ} راجع إلى {مَنْ أوفي} على أن كل من أوفي بما عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه.
«فإن قلت» : فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله؟
قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم.
ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه، ويجوز أن يرجع الضمير في"بعهده"إلى الله، على أن كل من وفي بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.
«فإن قلت» : فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟
قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير"."