وعبرعن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة أفعالهم الشنيعة في أذهان المخاطبين، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما استطاعوا إليها سبيلا، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم، ولقد حاول اليهود في العهد النبوى أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى نجاه من شرورهم.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» :"كيف قال {بِيَدِكَ الخير} فذكر الخير دون الشر؟"
قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير، تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن أفعال الله - تعالى - من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه"."
{قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}
قال صاحب الكشاف: قال الله - تعالى - لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام: وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله. ولذلك قال: {واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار} يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة،
«فإن قلت» : لم حبس لسانه عن كلام الناس؟
قلت: ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر.
وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه {إِلاَّ رَمْزاً} أي: إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما.
وعلى رأى صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه.