وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) ، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟
فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد.
الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه.
والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل.
قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك.
ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. اهـ.
وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) . وبالله التوفيق.
(وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(161)
قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله - عليه الصلاة والسلام - من ذلك.
ومَن قرأ بضم الياء ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي: أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك لبشاعة ذلك مع النبيّ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة كقوله: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ) أي: لا ينسبونك إلى الكذب.