أجيب: بأنه ذكر المبدأ مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيماً لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام وذلك أنَّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة المكروب أو نحو ذلك، وكذا الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك، فإذا قلت: ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته، ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: الكبائر منها {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} أي: الصغائر منها أو يكون ذلك من باب التعميم والاستيعاب كقوله: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ولأنّ الإلحاح والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم وهم الأنبياء والصالحون، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله تعالى «ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه» ، رواه الشيخان.
{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} به {عَلَى} ألسنة {رُسُلِكَ} من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك، وإن كان وعده تعالى لا يتخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه؛ لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وتكرير (ربنا) مبالغة في التضرّع.
وفي الآثار: من جزبه أي أصابه أمر فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد.
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}
دعاءهم وهو أخص من أجاب؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه؛ لأنّ كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدّى بنفسه وباللام. انتهى انتهى {السراج المنير} ...