«فإن قيل» : لم جاز أن يقال لليهود والنصارى (أهل الكتاب) ، وهم لا يعملون به، ولم يجز مثلُ ذلك في أهل القرآن؟
قيل: إن القرآن اسمٌ خاصٌ لِما أَنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فأما الكِتاب فيجوز أن يذهب به إلى معنى: يا أهل الكتاب المحرف عن جهته!.
وأيضًا فإنهم نُسبوا إلى الكتاب، احتجاجًا عليهم بالكتاب لإقرارهم به كأنه قيل: يا من يُقِرُّ بأنه من أهل الكتاب لم تكفرونَ بآيات الله؟.
قوله تعالى: {وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}
يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ:
أحدها: أن اليهود اختلفوا مِن بعد موسى، فصاروا فِرَقًا، والنصارى اختلفوا من بعد عيسى، فصارت فِرَقًا، فأمر الله عز وجل بالاجتماع على كتابه، وأعلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ فيه، يُفضي بأهله إلى مثل ما أفضى بأهل الكتاب إليه من الكفر.
والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف أهل الكتاب في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.
والثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، وكتابهم جميعًا التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة منهم ليست على شريعة الأخرى.
«فإن قيل» : إذا كان الاختلاف في الدِّين مذمومًا منهيًا عنه، فَلِمَ اختلفت هذه الأُمَّةُ في المذاهب والدِّيانات؟.
قلنا: ذاك اختلافٌ في المُجْتَهَدَاتِ، وجميع ذلك مدلولٌ على صحته، فيصير كاختلاف الأحكام المنصوص عليها، مثل: حُكْم المقيم والمسافر، في الصلاة والصيام، ونحو ذلك من الأحكام، في أنَّ كلًّا منها مأذون فيه بالشرع.
وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ولم يقل (جاءت) ؛ لجوازِ حذفِ علامَةِ التأنيث من الفعل في التقديم؛ تشبيهًا بعلامة التثنية والجمع.
{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}
فيعاقبهم بلا جُرْمٍ. قاله ابنُ عبَّاس.