الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ خَلْقَ الْوَلَدِ مِنَ النُّطْفَةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا نُطْفَةَ إِلَّا مِنْ خَلْقٍ، وَلَا خَلْقَ إِلَّا مِنْ نُطْفَةٍ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَلَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِانْتِهَاءِ إِلَى مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا مِنْ نُطْفَةٍ أَوْ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا مِنْ إِنْسَانٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَالًا مُمْتَنِعًا لَمَا طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) لَيْسَ لِلِاسْتِبْعَادِ، بَلْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وُجُوهًا الأول: أنه قَوْلَهُ أَنَّى مَعْنَاهُ: مِنْ أَيْنَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: كَيْفَ تُعْطِي وَلَدًا عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَمْ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُدُوثَ الْوَلَدِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعِيدَ اللَّهُ شَبَابَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ الْوَلَدَ مَعَ
شَيْخُوخَتِهِ، فَقَوْلُهُ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ مَعْنَاهُ: كَيْفَ تُعْطِي الْوَلَدَ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَمْ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي؟
فَقِيلَ لَهُ كَذَلِكَ، أَيْ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ الْحَسَنُ وَالْأَصَمُّ وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ كَانَ آيِسًا مِنَ الشَّيْءِ مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِهِ وَوُقُوعِهِ إِذَا اتَّفَقَ أَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ فَرُبَّمَا صَارَ كَالْمَدْهُوشِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ فَيَقُولُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذَا، وَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ هَذَا كَمَنْ يَرَى إِنْسَانًا وَهَبَهُ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، يَقُولُ كَيْفَ وَهَبْتَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، وَمِنْ أَيْنَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِهِبَتِهَا؟
فَكَذَا هَاهُنَا لَمَّا كَانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَبْعِدًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ إِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ، صَارَ مِنْ عِظَمِ فَرَحِهِ وَسُرُورِهِ قَالَ ذَلِكَ الْكَلَامَ.