قُلْنَا: أَلَيْسَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ قَالَ: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) [النَّمْلِ: 19] وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ: أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلَاحِ لَوِ انْتَقَصَ لَانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، فَذَلِكَ الْقَدْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ يَجْرِي مَجْرَى حِفْظِ الْوَاجِبَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ نَصِيبًا مِنْهُ كَانَ أَعْلَى قَدْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ(40)
فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ (رَبِّ) خِطَابٌ مَعَ اللَّهِ أَوْ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مَعَ اللَّهِ، لِأَنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ نَادَوْهُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مَعَ ذَلِكَ الْمُنَادِي لَا مَعَ غَيْرِهِ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مَعَ الْمَلَكِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ لِلْمَلَكِ: يَا رَبِّ؟
وَالْجَوَابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا نَادَوْهُ بِذَلِكَ وَبَشَّرُوهُ بِهِ تَعَجَّبَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَجَعَ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ التَّعَجُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَالرَّبُّ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُرَبِّي، وَيَجُوزُ وَصْفُ الْمَخْلُوقِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ يُرَبِّينِي وَيُحْسِنُ إِلَيَّ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ الْوَلَدَ، ثُمَّ أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فَلِمَ تَعَجَّبَ مِنْهُ وَلِمَ اسْتَبْعَدَهُ؟
الْجَوَابُ: لَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلَامُ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ