يسير عليه القرآن فِي بيان تلك الأحكام ، إنه لم ينح بها النحو التقريرى كما هو الشأن فِي مثل هذه القضايا. وإنما خاطبَ بها النفس الإنسانية بكل مدركاتها:
العقل والمنطق والعواطف والمشاعر. دون أن تحس بضعف فِي الصياغة ،
ولا قصور فِي المعنى.
يبين للإنسان فيه مصادر أخذه ، ومجالات إعطائه.
مُحبِّباً إلى نفسه ومشاعره وروحه عمل الخير ، ومُكَرِّهاً لها عمل ما هو دون
الخير ، من شر خالص. أو خير خلاف الأولى.
* الجدل القرآني:
ولكنتا لا نقف عند حد الأحكام والتشريع فيه.
لتأييد هذه السمة الأسلوبية
في القرآن التي أسميناها: الإقناع والإمتاع.
بل نستعرض مثلاً فِي مجال آخر ، غير الأحكام والتشريع ، وإن كان الشأن
فيه أن يسلك فِي بيانه المنهج التقريرى العقلي.
ذلك المجال هو: الجدل القرآني لخصوم الدعوة الإسلامية.
وموضوعات هذا الجدل متعددة لكننا نختار منها موضوعين اثنين لنرى كيف
جادلهم فيها القرآن ، وأى منهج سلك.
وهذان الموضوعان هما: قضية التوحيد ، وما يتعلق بها ، ثم قضية البعث
ومايتعلق بها.
* قضية التوحيد:
جاء القرآن ينكر على المشركين ما هم فيه من عبادة الأصنام ، وفكرة تعدد
الآلهة ، وأن يكون هناك صلة بين الخالق الحقيقي المخصوص بالعبادة ، وبين هذه الأصنام التي يتقربون بها - فِي زعمهم - إلى الله. كما حكى عنهم القرآن: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
وكانت هذه هي القضية الأولى التي يواجهها الإسلام.
ولقد قطع القرآن - فِي مكة - شوطاً كبيراً فِي محاربة هذا الضلال.
لافتاً الأنظار إلى الحقيقة.
ممثلاً وواعظاً ، مجادلاً ومحاوراً ، منذراً ومبشراً ، مناقشاً وهادياً.
كان القوم يبررون ما هم عليه بحجج واهية تتلخص فِي:
1 -التقليد الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم.
2 -أن هذه الآلهة وسيلة للتقرب إلى الله.
3 -أن فكرة وحدة الخالق أمر مستحدَث.