قلنا: معناه إيمانهم بمحمد صلّى الله عليه وسلّم مع إيمانهم بموسى وعيسى عليهما السلام، خير من إيمانهم بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فقط.
[114] فإن قيل: كيف قال:(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها
صِرٌّ) [آل عمران: 117] ، الآية؛ والمقصود تشبيه نفقة الكفّار وأموالهم، في تحصيل المفاخر، وطلب الصيت والسمعة؛ أو ما ينفقونه في الطّاعات، مع وجود الكفر؛ أو ما ينفقونه في عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بالزرع الذي أصابته ريح شديدة البرد، فأهلكته، فضاع، ولم ينتفع به؛ والتّشبيه في الحقيقة بالزّرع، وفي لفظ الآية بالرّيح؟
قلنا: فيه إضمار، تقديره: إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح فيها صرّ؛ أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح؛ ونظيره قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ) [آل عمران: 261] الآية؛ وقوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) [آل عمران: 171] ، الآية. وقال ثعلب: فيه تقديم وتأخير تقديره: كمثل حرث قوم، ظلموا أنفسهم، أصابته ريح فيها صرّ، فأهلكته.
[115] فإن قيل: كيف قال: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها) [آل عمران: 120] فوصف الحسنة بالمسّ والسيئة بالإصابة؟
قلنا: المسّ مستعار، بمعنى الإصابة، توسعة في العبارة؛ وإلّا فكان المعنى واحدا. ألا ترى إلى قوله تعالى في الفريقين: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79] . وقوله:* إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) [المعارج: 19 - 21] .
[116] فإن قيل: كيف قال: (وَسارِعُوا) [آل عمران: 133] ؛ والنبيّ، عليه أفضل التّحية، يقول: «العجلة من الشّيطان والتأنّي من الرّحمن» ؟
قلنا: قد استثنى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خمسة مواضع، فقال: ( «إلّا في التّوبة من الذّنب وقضاء الدّين الحال، وتزويج البكر البالغ، ودفن الميّت وإكرام الضّيف إذا نزل» .
والمسارعة المأمور بها في الآية هي المسارعة إلى التّوبة وما في معناها من أسباب المغفرة.