[117] فإن قيل: كيف قال: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران: 135] عطف عليه بكلمة أو، وفعل الفاحشة داخل في ظلم النفس؛ بل هو أبلغ أنواع ظلم النفس؟
قلنا: أريد بالفاحشة نوع من أنواع ظلم النفس، وهو الزنا؛ أو كلّ كبيرة. فخصّ بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب.
[118] فإن قيل: كيف قال، هنا: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: 135] وقال، في موضع آخر: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: 37] ؛ وقال: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا) [الجاثية: 14] ؟
قلنا: معناه ومن يستر الذنوب من جميع الوجوه إلّا الله، ومثل هذا الغفران لا يوجد إلّا من الله.
[119] فإن قيل: كيف قال: (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ) [آل عمران: 144] ؛ وهلّا اقتصر على قوله: (أَفَإِنْ ماتَ؛ وكان القتل يدخل فيه، فإنه موت؟
قلنا: القتل وإن كان موتا، لكن إذا أطلق الميّت في العرف لا يفهم منه المقتول؛ فلذلك عطف أحدهما على الآخر.
[120] فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [آل عمران: 161] ؛ وقال، في موضع آخر: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: 94] .
قلنا: معناه يأتي به مكتوبا في ديوانه؛ أو يأتي به حاملا إثمه. ومعنى فرادى منفردين عن الأموال والأهل؛ أو عن الشّركاء في الغيّ؛ أو عن الآلهة المعبودة من دون الله. وتمام الآية يشهد للكلّ.
[121] فإن قيل: قد جاء في الصحيحين، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الغالّ يأتي يوم القيامة حاملا عين ما غلّه على عنقه صامتا كان أو ناطقا؛ هذا معنى الحديث، فاندفع الجواب.
قلنا: على هذا يكون المراد بالآية الأخرى فرادى عن مال وأهل يعتزّون بهما، ويستنصرون؛ ويشهد بصحته تمام الآية.
[122] فإن قيل: كيف قال: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) [آل عمران: 163] والعبيد ليسوا نفس الدرجات؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: هم ذوو درجات أو أهل درجات؛ فحذف المراد لعدم الإلباس.
وقيل: المراد بالدرجات الطّبقات؛ فلا يكون فيه إضمار، معناه أنّهم طبقات عند الله متفاوتون كتفاوت الدّرجات.
[123] فإن قيل: كيف يجعل لكلّ الفريقين درجات، وأحد الفريقين لهم دركات لا درجات؟