ولا ينفك يسبح بك بين صور الفن والخيال حتى ينسيك - إذا صدق فِي الشعور - حدود الزمان والمكان فتنطلق معه فِي دنيا غير دنياك ، يسحرك بيانه ، وتطويك أنغامه. فإذا سرى عنك وأُبْتَ من سبحك لم تجد فِي حوزتك شيئاً إلا ظلالاً باهتة لمؤثر غامض.
الثالث: فريق يمسك العصا من الوسط - كما يقولون - فيجمع بين النزعتين.
ويمزج بين الطريقتين ولكنه بمنأى عن التوفيق - مع شدة حرصه عليه - فأحياناً تأتى عباراته عاطفية على حساب العقل ، وأخرى تأتى عقلية على حساب العاطفة. فإن رأيتَ مَن يقضى بينهما بالعدل فِي موضع ، فاعلم - مقدماً - أن عهده بذلك لن يطول.
وأن ما رأيته منه من توفيق للعدل فلتة لم يجر بها طبع.
وندرة لا تتكرر كثيراً.
* المستحيل . . ممكن ! ؟
وهذا الذي استحال على الناس. أو كان فِي حكم المحال ، تراه أروع ما يكون فِي الذِكر الحكيم. فيه حظ النفس وعواطفها ومشاعرها.
وفيه مطلب العقل وحججه وبراهينه ، تراهما متجاورين متآلفين دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وإن برز أحدهما فِي موضع فإن تلك سياسة بيانية. ومقتضى مقام.
* منهج خُلقى حي:
اقرأ - مثلاً - قوله تعالى فِي تشريع القصَاص: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) .
وانظر إلى الاستدراج إلى الطاعة فِي افتتاح الآية:(يَا أيُهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ ...).
وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين فِي قوله: (أخيه) وقوله:
(بِالمعْرُوفِ) ، وقوله: (بِإِحْسَانٍ) .
والامتنان فِي قوله: (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) .