على الفاعل فقال تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} وفي هذه الآية مسألة أخرى وهي أن يقال: كيف اختلف الإخبار عن الله تعالى بالعز والحكمة في الآيتين؟ فجاء في سورة آل عمران مجيء الصفة، فقال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وجاء في سورة الأنفال بلفظ خبر ثان مستأنف فقال: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
الجواب أن يقال: القصد إعلام المخاطبين أن النصر ليس من قبل الملائكة، ولا من جهة العدد والعدة وفضل القوة، ولكنه من عند القادر الذي لا يغلب ولا يمنع عما يريد فعله، والحكيم الذي يضع النصر موضعه، والآية التي في سورة الأنفال إنما هي في
قصة يوم بدر وبيّن الله ذلك فيه بلفظ جعله كالعلة لكون النصر بيده، فكأنه قال في المعنى: النصر ليس {إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ} الذي لا يمنع عما يريد فعله، و {الْحَكِيمِ} الذي يضع النصر في موضعه، ففصل ذلك في خبرين على الأصل الواجب في توفية كل معنى حقه من البيان، والآية التي في سورة آل عمران هي في قصة يوم أحد وهو بعد يوم بدر، وكان هذا البيان قد حصل فيما جعل خبرا عن النصر في اليوم الأول، فاقتصر من ذكر مثله في اليوم الثاني على خبر واحد يجري عليه معنى الخبر الثاني مجرى الوصف لاختصار المعنى عن البسط اعتمادا على ما فصل في الخبر عن الأول، فكان الاختصار بالثاني أليق وكان الثاني له أجمل فخص كل موضع بما رأيت لما ذكرت والله أعلم.
الآية السادسة منها
قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} وقال في سورة العنكبوت: {خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} .
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في هذه السورة بالواو من قوله: {وَنِعْمَ}