الله تعالى جعل إخباره بإنزال الملائكة لنصرهم بشارة لهم، وأن (لكم) مضمرة في سورة الأنفال كما هي مظهرة في هذه السورة، فلأن الأولى جاءت على الأصل، والثانية قد تقدمتها {لَكُمْ} فأغنت عن إعادتها بلفظها ومعناها، وهي في قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فلما قال: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} علم أنه جعل بشرى لهم فأغنت {لَكُمْ} الأولى بلفظها ومعناها عن الثانية، وفي الآية الأولى لم يتقدم ما يقوم هذا المقام، فأتى بقوله: {لَكُمْ} على الأصل. وأما تأخير {بِهِ} بعد قوله: {قُلُوبُكُمْ} فلأنه لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول، وهو قوله:
{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ} وعطف الكلام الثاني عليه، وقد وقع فيه جار ومجرور، وجب تأخيرها في اختيار الكلام ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام أحوج إليه وتأخير ما قد يستغنى عنه، وأما تقديم {بِهِ} في الآية الثانية، فلأن الأصل في كل خبر يصدر بفعل أن يكون الفاعل بعده، ثم المفعول والجار والمجرور، وقد يقدم المفعول على الفاعل إذا كان اللبس واقعا فيه وأريد إزالته عنه كما تقول: ضرب عمرا زيد لا محمدا لأن المخاطب عنده أن المضروب محمد، ولا خلاف بين المتخاطبين في أن الضارب زيد، فهو يبدأ بما هو أهم، وعنايته ببيانه أتم، وكذلك الجار والمجرور بمنزلة المفعول به في التقديم والتأخير وشبههما، وفي هذا الموضع إذ لم يعرض في اللفظ من التوفقة ما يوجب إجراء الكلام على الأصل، كما كان في سورة آل عمران، فإن المعتمد بتحقيقه عند المخاطبين إنما هو الإمداد بالملائكة، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه أنه لم يجعله {إِلَّا بُشْرى} فوجب أن يقدم في الكلام الثاني، وهو المضمر بعد الباء في قوله تعالى: {بِهِ}