الجواب أن يقال: إنما لم يجب في الأوليين من التوكيد ما أوجبه اختيار الكلام في الموضع الثالث لأن قوله عز وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} حكاية عن عيسى بعد ما مضت آيات كثيرة في ذكره وابتداء أمره من مبتدإ الآية التي نزلت في شأن مريم وهي: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} إلى آخر هذا العشر. فلما تناصرت هذه الآيات المتقدمة في ذكره، ودلت على إحداثه وخلقه كانت فيها دلالة على أنه مربوب مصنوع بكثرة الأفعال التي أسندت إليه وجعلت آيات له، وأنه عبد من عبيده، والله ربه ومالكه والقائم بمصالحه، وأنه أصحبه معجزات تدل على صدقه في نبوته، وكذب من قال ببنوته، فصرفتهم تلك الأفعال التي تقدم ذكرها إلى العلم بأنه تعالى ربه، وكذلك في سورة مريم جاء قوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} بعد ما مضت آيات كثيرة ابتداؤها {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} وبعد عشرين آية مرت في قصتها قال: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} فكانت تلك الآية العشرون ناطقة بأن الله ربه، فاكتفى بما طال من الكلام المؤكد لحاله على حقيقتها عن التوكيد الذي جاء في سورة الزخرف، لأنه لم يذكر هذه الآية إلا بعد قوله: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} فالموضع الذي