خلا من الآيات الكثيرة الدالة على أن الله تعالى ربه وهو عبده لا ابنه، حسن تأكيد الكلام فيه صرفا للناس عما ادعوه من أنه ابن الله إلى أنه عبده، ألا ترى إلى قوله في سورة مريم: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} واعلم أن التوكيد بقولك هو في مثل هذا الموضع يكون لأحد وجهين، إما أن يريد أنه على الصفة التي جعلها خبرا عنه لا على غيرها، وإما أن يريد أن صاحب هذه الصفة التي جعلت خبرا عنه إنما هو فلان لا غيره، إذا قال القائل:
إن زيدا هو أخوك أي: هو صديقك لا عدوك، أو يريد أن يقول: إنه أخوك لا عمرو، فكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} يحتمل التوكيدين إن يريد أنه هو خالقي والقائم بمصالحي لا غيره من الآلهة التي ترون عبادتها، وإن يريد أنه هو ربي لا أبي كما زعمت النصارى، تعالى الله عن أن يكون له ولد.
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فحذف النون من «أنا» وقال في سورة المائدة: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} بإثبات النونات الثلاث.
للسائل أن يسأل فيقول: لم خص ما في سورة آل عمران «بأنا» وما في سورة المائدة «بأننا؟» والحرفان سواء والتخفيف جائز في الموضعين كما يجوز الإتيان به على الأصل فيهما.