إنما هي كلمة رُفِعَت وأخرى وُضِعَت فِي مكانها عند الحاجة إليها.
فكانت حَسْماً لكل عذر ، سادة لكل باب من أبواب
الهروب ، بل كانت بمثابة حركة تطويق للخصم
أتت فِي خطوة واحدة هادئة رزينة.
* إفحام الخصم:
وبعد هذا التعليق الفاضح للخصم ، الكاشف لنواياه السيئة ، القاطع عليه
طريق النجاح. انبرى القرآن للرد على المقصد الأصلى الذي تبجحوا بإعلانه.
وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فأوسعهم إكذاباً.
وبيَّن أن الكفر والجحود داء دفين فيهم ، ومرض مزمن توارثوه جيلاً عن جيل.
فليس الذي أتوه اليوم إلا حلقة متصلة السلسلة بماضيهم اللعين.
وساق على ذلك الشواهد والوقائع التاريخية بما لا سبيل لإنكارها.
جهلٌ بالله ، وانتهاك حُرم الأنبياء وتمرد على الأوامر: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91) .
هنا تبرز حقائق يجب أن نتأملها:
1 -تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له فِي آخر المرحلة
السابقة لأن السامع يفهم من تكذيبهم بما يُصدِّق كتابهم أنهم صاروا مُكذِّبين
لكتابهم نفسه ، وهل الذي يُكَذِّب مَنْ يصدقك يبقى مُصدِّقاً لك ؟
غير أن هذا المعنى إنما أُخذَ ، استنباطاً من أقوالهم ، وإلزاماً لهم بمآل مذاهبهم ،
ولم يؤخذ بطريق مباشر من واقع أحوالهم.
فكانت هذه هي مهمة الرد الجديد.
وهكذا كانت كلمة: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) مغلاقاً لما قبلها مفتاحاً لما
بعدها ، وكانت آخر درجة فِي سلم الغرض الأول هي أول درجة فِي سلم الغرض
الثاني. فما أوثق هذا الالتحام بين أجزاء الكلام ، وما أرشد هذه القيادة للنفس بزمام البيان ، تدريجاً له على مدارجها وتنزيلاً له على قدر حاجتها. وفي وقت تلك الحاجة.
2 -وانظر كيف عدل بالإسناد عن وضعه الأصلى. وأعرض عن ذكر