ومن الواضح أن الإيمان بما أُنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم
-ومنه القرآن - وهذا هو القصد الثاني. ولكنهم تحاشوا التصريح به لا فيه
من شفاعة التسجيل على أنفسهم بالكفر ، فأراد القرآن أن يبرزه ويفضح أمرهم.
فكيف أبرزه ؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً لهم ، ولم يُنقل عنهم ذلك نقلاً
ضمن ما قالوه. لأنهم لم يقولوه صراحة. بل أخرجه فِي معرض الشرح والتعليق على مقالتهم. فقال: (وَيَكْفُرُونَ بمَا وَرَاءَهُ)
أليس ذلك هو غاية الأمانة فِي النقل ؟
وجاء التعبير (بمَا وَرَاءَهُ) محدداً للجريمة أبين تحديد.
لأنهم كما كفروا بالقرآن كفروا بالإنجيَل ، وكلاهما وراء التوراة.
ولكنهم لم يكفروا بما قبل التوراة لعدم تزاحمه لهم فيما بين أيديهم.
وهذا لفظ جامع مانع ، وغاية فِي توخي الصدق فِي الاتهام.
فعداوة اليهود الحاقدة للقرآن لم تمنع القرآن من الإنصاف والعدالة.
* دور الرد والمناقشة:
وجاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه
فترى القرآن لا يبدأ بمحاورتهم فِي دعوى إيمانهم بكتابهم. بل يتركها مؤقتاً
كأنها سليمة ليبنى عليها وجوب الإيمان بغيره من الكتب فيقول:
"كيف يكون إيمانهم بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله ؟"
لا بل (هُوَ الحَق) كله وهل يعارض الحق الحق.
فيكون الإيمان بأحدهما موجباً للكفر بالآخر"؟"
ثم يترقى فيقول:"وعجيبة العجائب أن الحق الذي كفروا به جاء (مُصَدِّقاً) "
لما سبق من الكتب المنزلة - ومنها التوراة التي آمنوا بها - فكيف يُكَذِّب به مَنْ يؤمن بهاً ؟
ثم يستمر مفنداً حالتهم فيقول:"لو أن هذا الكتاب جاء مصدقاً لمقاصد"
في الكتب المنزلة بعده ، وكانت هذه المقاصد مما طمسها التحريف لكان لهم عذر فِي كفرهم. لكن كيف يكون لهم عذر وقد جاء هذا الكتاب (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ) مما يتلونه ويدرسونه ويعلمونه"؟"
فانظر إلى الإحكام فِي صنعة البيان.